محمد خليل المرادي

204

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

أو يسألوا معشار عسر شعيرة * ضاقت نفوسهم على إنفاقها فعلى نفوسهم الخبيثة لعنة * تستوجب الإفراط في استغراقها ملئوا أقاليم البلد ضلالة * واستنزحوا الأموال من آفاقها ورأيت غير المترجم هجا بني آدم بقوله : بني آدم لا بارك اللّه فيكم * لأنتم شرار الناس بين الخلائق خلت منكم الدنيا من العدل والهدى * ولم يبق إلا فاسق وابن فاسق وأوسعتم الآفاق بغيا وجفوة * وهيهات منكم صادق الوعد فائق وأنتم ظروف الزور والبغي والأذى * وما راج منكم غير كل منافق تمنّيت عمري أن أرى غير غادر * فما شمت إلا عائقا وابن عائق غصبتم حقوق النّاس ثم ملأتم * جوانب هذا الكون من كل فاسق عليكم من اللّه الجليل مصائب * تكون عليكم مثل وقع الصواعق أقول : وكلا الرجلين بلغ في الهجو إلى أقصى حده . وهجا نفسه مع أبيه وجده . فنرجو من واهب العقول أن يغفر ذنوب من أساء . إنّه أكرم مسؤول . ومن نثر صاحب الترجمة ما كتب به لأحد أعيان دمشق وهو قوله : أدام اللّه على العلم وأهليه ، والإسلام وبنيه سبوغ ظل مولاي الإمام . الذي صدره تضيق عنه الدهناء ، ويفرغ إليه الدأماء ، والذي له في كل يوم مكرمة غرة الإيضاح ، ومن كل فضيلة قادمة الجناح . ذو الصورة التي تستنطق الأفواه بالتسبيح ، ويترقرق فيها ماء الكرم ويسيح ، تحيي القلوب بلقائه ، مثل ما مسّت الفقر بعطائه . له الخلق الذي لو مزج به البحر لنفى ملوحته ، ولكفى لذوذته . هو غذاء الحياة ونسيم العيش ومادة الفضل . آراؤه مدى في مفاصل الخطوب ، وفراسته تشفّ عما وراء الغيوب . همّته تعزل السماك الأعزل وتجر ذيلها على المجرّة . وهو راجح في موازين الفضل ، سابق في ميادين العقل . يفترع أبكار المكارم ، وينسي بكرمه ذكر حاتم . ينابيع الجود تتفجّر من أنامله ، وربيع السماك يضحك عن فواضله . هو لسان الشريعة ، وإنسان حدقة الملّة . وغرّة الزمان ، وناظر الإيمان . أخلاقه خلقن من الفضل . وشيمه تشام منها بوارق المجد . له طلعة عليها للبشاشة ديباجة حسنة بهيّة . هو بحر العلم ممدود كسبعة أبحر . ويومه في العلماء كعمر سبعة أنسر . حرس اللّه ذاته التي هي شمس هذا الزمان . والدليل الأكبر على بقاء نوع الإنسان . وبعد : فالمملوك ينهى إلى المقام العالي ، والمحل الباذخ المنيف السامي - أدام اللّه سعادته مشرقة النور ، مبلّغة السّول ، واضحة الغرر ، بادية الحجول - ما بلغه من كلام تجرّع منه غصص الصبر . وتحمّل منه ما أثقل به كاهل الدّهر ،